
عن فاشية التمييز بين عنف جيد وعنف رديء

خلال الأسابيع القليلة الماضية، وظف نفر من المعلقين العرب جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي (رحمه الله) لعقد المقارنات بين عنف حكومات المستبدين المعاصرين وعنف سابقيهم الذين تسلطوا على بلادنا منذ خمسينيات القرن العشرين.
فعمد البعض إلى الإشارة إلى كون عنف المعاصرين يتسم من جهة أولى بارتباط أحادي بهدف الإبقاء على الملوك والأمراء على عروشهم والرؤساء في قصورهم، وكونه يأتي من جهة ثانية منبت الصلة بالأهداف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبيرة التي سببت عنف السابقين مثل بناء الدولة الحديثة وإنجاز التنمية المجتمعية وتحقيق الطموحات القومية. وتندر البعض الآخر على «تدني كفاءة» الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية التي يستخدمها حكام اليوم لممارسة العنف إزاء الأفراد والمجتمعات إذا ما قورن الأمر بفعالية وتماسك أداء ذات الأجهزة في الماضي عندما كانت تتعقب وتقتل معارضي الملوك والرؤساء في الداخل والخارج دون أن تكتشف جرائهما فوريا أو يترك عملاؤها خلفهم من الأدلة ما قد يضع أسيادهم في وارد التفسير أو التبرير.
هالتني تلك المقارنات بين عنف المستبدين المعاصرين وعنف سابقيهم لأسباب عديدة. لم تكن جرائم النصف الثاني من القرن العشرين مرتبطة عضويا أو وثيقة الصلة بسعي حكام بلاد العرب لإنجاز أهداف التحديث والتنمية، بل كانت عنوان قمع الأفراد والسيطرة على المجتمعات والقضاء على التنوع إن العرقي أو الديني أو الإقليمي أو السياسي أو جميعهم بالإلغاء القسري. ولم يكن للقمع والسيطرة والإلغاء من وجهة نهائية سوى إبقاء الملوك على عروشهم والرؤساء في قصورهم وتمكينهم من إدارة شؤون بلادهم بسلطات مطلقة ومن غير مراجعة أو مساءلة أو محاسبة. لم يحتج جمال عبد الناصر لإنهاء وجود الأحزاب السياسية ولتعقب وسلب حرية ومعاقبة آلاف الشيوعيين والإخوان المسلمين لكي يبني الدولة الحديثة ويطبق برامج التحديث الاقتصادي والاجتماعي في الخمسينيات والستينيات، بل كانت الإدارة الاستبدادية ديدنه وجمهورية الخوف المهزومة في 1967 نتيجتها الحتمية.
تندر البعض على «تدني كفاءة» الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية التي يستخدمها حكام اليوم لممارسة العنف إزاء الأفراد والمجتمعات
وبالمثل، لم يكن لعنف صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سوريا ومعمر القذافي في ليبيا من مرجعية سوى الاستبداد والنظرة الاستئثارية للحكم والسياسة بوصفهما مجالين للغلبة وليس للمشاركة. لم يستخدم صدام حسين السلاح الكيماوي ضد الشيعة والأكراد العراقيين لبناء الدولة الحديثة بل لهدمها، ولم يقصف الأسد الأب المدن السورية بطائرات حربية لأغراض التحديث المجتمعي بل للقضاء على المجتمع الحر الحديث وفرض الخوف سياقا وحيدا لبقاء الأفراد، ولم يكن من وراء عبث إدارة القذافي لشؤون ليبيا رؤية لإنجاز التنمية الشاملة بل رغبة في حكم فردي لا نهاية له. ولم يتعقب ثلاثتهم وغيرهم كحكام السعودية والملك الحسن الثاني في المغرب المعارضين في الخارج ولم يصدروا «أوامر التصفية الجسدية» إلا للإمعان في إشاعة الخوف من التعبير الحر عن الرأي بين الناس ووأد كل محاولات البحث عن بدائل لاستبدادهم في الداخل والخارج.
فالفوارق تظل واهية. ومن وراء التمييز بين عنف جيد وعنف رديء يقبع فهم فاشي لشؤون الحكم والسياسة يرى أن من حق الحكام استباحة حقوق وحريات الأفراد وتنوع المجتمعات في سبيل أهداف عليا، بينما الأصل هو أن صون الحق والحرية والتنوع يمثل الطريق الوحيد للأفراد للحياة الآمنة ولانتزاع هوية المواطنة التي تؤهل للإسهام في تحقيق التنمية الشاملة والمسار الوحيد للمجتمعات للحفاظ على وجودها ككيانات طوعية تنجز التقدم وتنتج العدل بمساعدة دول حديثة وحكام يقبلون المراجعة والمساءلة والمحاسبة ويقبلون تبادل السلطة وفقا لإرادة المواطنين.
شاهد أيضا
كاتب من مصر
المقال كاملا من المصدر اضغط هنا
Essa
The post عن فاشية التمييز بين عنف جيد وعنف رديء appeared first on بتوقيت بيروت.
from صحف – بتوقيت بيروت https://ift.tt/2Dbmv0Z
via IFTTT
0 تعليق على موضوع "عن فاشية التمييز بين عنف جيد وعنف رديء"
إرسال تعليق