-->
توازن الغليان في غزة

توازن الغليان في غزة

اعترى الغموض الاشتباك العسكري الذي أدى إلى تصعيد خطير في قطاع غزة، وربما لا يمتلك أي طرف التفاصيل الكاملة للساعات التي سبقت توجيه ضربة مباغتة من الفصائل المقاومة في القطاع، مع استهداف حافلة للجنود بصاروخ من طراز كورنيت، لتبدأ سلسلة من التساؤلات حول مصدر الصواريخ، وكيفية دخولها للقطاع، والسر وراء توقيت استخدامها، وقبل أن تبدأ الإجابات في التبلور، أتت استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان لتلحق حالة من الترنح بحكومة نتنياهو، قد تؤدي إلى اختبار انتخابي قريب، وهو ما تحتاجه اسرائيل في هذه المرحلة في استراتيجية مطولة مارستها منذ عقود تتمثل في الهروب إلى المربع الأول.
تظهر استقالة ليبرمان بوصفها احتجاجاً على وقف الأعمال العسكرية، ضمن تسوية سريعة لوقف اطلاق النار، ولوماً لنتنياهو على دخول أموال قطرية للقطاع المحاصر، إلا أن استقالته تتضمن تهرباً من الإجابة عن سؤال حول كيفية دخول هذه الصواريخ، التي ظهرت فعاليتها بوضوح، إلى القطاع، ومدى جدوى محاصرة القطاع من الأساس؟ وفراراً من السؤال حول الخيارات الاسرائيلية بخصوص القطاع؟
ينعدم توازن القوى، والحديث عن انتصار للقطاع بإنهاء الاشتباك بتسوية أحرجت اسرائيل، يعتبر نشوة لتحقيق خطوة غير متوقعة من شأنها أن تعيد القطاع إلى بؤرة الاهتمام نوعاً ما، بعد أن توارت وراء الكثير من الأخبار الساخنة لأشهر طويلة، ومع التفاوت الكبير في القوة فإن إعادة تسخين الوضع في غزة يتضمن مقامرة فادحة، فالانتباه الضروري لحالة الجمود المستوطنة في الملف الغزي يتوازى مع احتمالات حرب مدمرة في القطاع. يحاصر الغزيون اسرائيل بالخيارات الصعبة، فهل يمكن لاسرائيل، بعد أن أدت لسنوات دور الضحية، أن تغامر بتجربة العنف المفرط وآلاف الضحايا في القطاع؟ هذه حلول سهلة بالنسبة لليبرمان، الذي يفكر في فرصته السياسية التي ستجعله يكرر تجربة شارون في الوصول بجرأته على استخدام اليد الثقيلة وسط حالة الالتباس السياسي، ولكن ما لا يضمنه ليبرمان ونتنياهو أيضاً، بحكم الخبرة السياسية، أن هذه الوجبة تفتقد إلى الطبق الرئيسي، وهو انهاء وجود حركة حماس، التي تمكنت من خلال زخم مسيرات العودة، أن تؤكد أنها الطرف الفاعل إلى اليوم في غزة، أو على الأقل، هي الطرف الوحيد المتواجد فعلياً على الأرض.

تعرضت حماس للعديد من الانتكاسات خلال السنوات الأخيرة، ولكن خبرة الشخصية الغزية جعلتها تستطيع أن تتدبر منفذاً من اللاشيء تقريباً، فحتى عندما بدأت تصل إلى نقطة الارتطام بأرضية الصراع الطاحن مع مصر، وجدت أرضية للتفاهم وأحياناً التعاون، وعلى الرغم من خلاف جوهري مع السوريين والإيرانيين، إلا أن القطيعة النهائية لم تحدث كما كان متوقعاً، فحماس تتوزع بين مدرستين في التفكير، خلافاً لغيرها من التنظيمات الإسلامية، الأول، الانفتاح على العالم والتواصل معه لكسب الحلفاء وإدارة العلاقات الصعبة والمعقدة، والثاني، الشخصية الغزية التي اعتادت أن تتدبر الحياة بالقليل من المتاح، وهو ما أنضجها عملياً، مقارنة، على سبيل المثال، بتجربة الإخوان المسلمين في مصر، فحركة حماس تمتلك خبرة في إدارة شؤون القطاع بصورة مباشرة وغير مباشرة لسنوات، وهو ما جعلها عرضة لمواجهة تحديات متتابعة ألزمتها ممارسة الواقعية السياسية مقارنة بالمشروعات الحالمة والعائمة لتنظيمات أخرى.
توجد لعبة سياسية بين حماس وإسرائيل بأكثر مما يتواجد من خواء بين اسرائيل والسلطة، فالاشتباك الحقيقي هو الذي يخلق حالة الارتباك الذي يمكن أن يحرك القضية الفلسطينية، كعنصر فاعل يتحرك حتى لو كان في وضعية الذبح، بينما العلاقة مع السلطة بكل ما تحملها من رطانة حول السلام ومشاريعه، تجعل هذه القضية تبدو وكأنها نعش تحمله بكثير من الضيق وبعض من الخجل، أكتاف غير عابئة سوى بالتخلص منه بأي طريقة كانت.العقدة مع حركة حماس ليست في التنظيم بشكله المادي وتواجده المؤسسي، ولكن في قدرته على احتضان فكرة المقاومة التي ستبقى في القطاع، فغزة لا يمكن أن تستسلم لخيارات السلام التي تعطيها الدور الوظيفي في منظومة واسعة، بدون أن تحمل معها حلولاً لمشكلة السكان الغزيين، ومعظمهم من اللاجئين الذين لا يستطيعون في ظل ظروف المكان ذي الحواف المدببة والجارحة وشح الموارد، أن يتحصلوا على حصة مناسبة من الكرامة الإنسانية، فلا اسرائيل تستطيع أن تمنحهم ذلك، ولا أي تنظيم فلسطيني، ويشمل ذلك حماس بالطبع، فالمشكلة الغزية شيء يختلف قليلاً عن بقية ملفات القضية الفلسطينية، هي قضية الإنسان الذي يمتلك حصة أدنى من الثروة والفرص والأرض والفضاء الشخصي، وحتى الماء والهواء، وحماس هي وكيل بالغضب للمشكلة الغزية، ووجودها أتى من مشكلة السلام الذي لم يكن ليغير شيئاً في الحياة الغزية، ولذلك أتى منبوذاً من أهل القطاع، لأنه سلام لا يحمل الصفة الإنسانية، ولا يرتقي بالظروف الراهنة على الأرض في غزة، والتي لا يمكن أن تتحرك سوى بالانفتاح على عالم أوسع لا يمتلك صفة الامتداد الحقيقي إلا في فلسطين الأرض والفكرة. غزة في تعارض وجودي مع إسرائيل، ولو خاضت الحرب المقبلة وتحولت إلى ركام، فإن التعارض لن يتحرك لخطوة واحدة، والكورنيت هو كلمة السر الجديدة في معادلة الصراع الوجودي مع إسرائيل، صحيح أنه يبقى خياراً متواضعاً أمام ترسانة إسرائيلية مزدحمة بالموت والدمار، إلا أنه يضع اسرائيل أمام خياراتها الصعبة من وقت لآخر، التي تعاني ازدواجاً في الشخصية بين صورة رجل المبيعات الأليف وبلطجي الملهى المتنمر.
سيراهن كثيرون على أن وجود حماس يشكل عبئاً على غزة، ويمكن التنظير في انتهازية الحركة وتقلباتها، وحتى استجلاب أدلة على اختطافها لحياة أهالي القطاع، إلا أن حماس تبقى جزءاً من نسيج غزة، وأحد مظاهر أزمتها التكوينية، ولا يمكن انتزاعها من السياق في غزة بالأسلوب التقليدي المتمثل في العمل الأمني الذي جربته السلطة الفلسطينية، أو العمل العسكري على الطريقة الإسرائيلية، لأن التداخل بين التنظيم والقطاع أعمق من الشق السياسي، ويتعلق بالجانب البنيوي، كما أن الكثير من الأطراف، ومنها مصر مثلاً، من مصلحتها وجود تنظيم قوي داخل غزة مهما كانت توجهاته، بدل أن تقع غزة في الفوضى لتصبح بقعة ساخنة تهدد سعيها لاستقرار سيناء.
توجد مشكلة عميقة في غزة، ومخاوف كثيرة من أن تفلت لعبة التسخين لتصل إلى نقطة غليان تهدر المكاسب السياسية، والمشكلة الأعمق موجودة في اسرائيل التي تجد صعوبة في أن تدرك بأن الانتصارات الحاسمة على الجيوش، يجب أن لا تعمي نظرها عن الاختلاف الجذري لحركات المقاومة خاصة التي تنبت في إطارها السكاني والشعبي.

العقدة مع حركة حماس ليست في التنظيم بشكله المادي وتواجده المؤسسي، ولكن في قدرته على احتضان فكرة المقاومة

كاتب أردني

المقال كاملا من المصدر اضغط هنا

Rim



from صحف – بتوقيت بيروت https://ift.tt/2QTctFb
via IFTTT

0 تعليق على موضوع "توازن الغليان في غزة"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel